ابراهيم بن عمر البقاعي

248

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

اللَّهُ أي الذي له العظمة كلها ، فلا ينقصه شيء بِهِ أي من المال وغيره بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ أي في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية ، أو بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور ، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن ، والسخاء الذي هو وسط بين الإسراف والبخل ، وكاستعمال هذه القوى على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة ، أو الفضائل البدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل مع اللذة والبهجة ، أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان ، والرئاسة التامة ونفاذ القول ، وكونه محبوبا للناس حسن الذكر فيهم ؛ فهذه مجامع السعادات ، وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها ، وبعضها كسبية ، ومتى تأمل العاقل في ذلك وجده محض عطاء من اللّه ، فمن شاهد غيره أرفع منه في شيء من هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له حالتان : إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له ، والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبها ، وهذا هو الحسد المذموم ، لأنه كالاعتراض على اللّه الذي قسم هذه القسمة ، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح على نفسه باب الكفر ، واستجلب ظلمات البدعة ، ومحا نور الإيمان ، فإن اللّه فعال لما يريد ، لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه ، وكما أن الحسد سبب الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا ؛ فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ذلك مصلحة ، ولو كان غير ذلك فسد ، فإن ذلك كله قسمة من اللّه صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم . وأما تمني المثل فإن كان دينيا كان حسنا ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا حسد إلا في اثنتين » « 1 » وإن كان دنيويا فمن الناس من جوز ذلك ، ومنهم من قال - وهم المحققون : لا يجوز ذلك ، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة في الدنيا كقصة قارون - قال معنى ذلك الإمام الرازي .

--> ( 1 ) صحيح أخرجه البخاري 7529 و 5025 ومسلم 815 والترمذي 1936 والنسائي في الكبرى 8072 وابن ماجة 4209 والطبراني 13162 و 13351 والبيهقي 4 / 188 وابن حبان 125 والحميري 617 والبغوي 3537 وأحمد 2 / 36 و 88 و 133 كلهم من حديث ابن عمر بألفاظ متقاربة . ولفظه : « لا حسد إلا في اثنتين : رحل آتاه اللّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه اللّه مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار » . - وورد من حديث ابن مسعود بلفظ : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها » . أخرجه البخاري 73 و 1409 و 7141 و 7316 ومسلم 816 والنسائي في الكبرى 5840 وابن ماجة 4208 وابن المبارك في الزهد 1205 وابن حبان 90 والبيهقي 10 / 88 والحميدي 99 وأحمد 3 / 279 .